مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
199
تفسير مقتنيات الدرر
فقال : إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام عليّ الحدّ فتركها ثمّ عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذلك السرقة فعاد إلى رسول اللَّه وقال : يا رسول اللَّه ما أحسن ما فعلت ! لمّا منعتني عن الكذب انسدّت عليّ أبواب المعاصي وتاب عن الكلّ . روي عن ابن مسعود أنّه قال : عليكم بالصدق فإنّه يقرّب إلى البرّ والبرّ يقرّب إلى الجنّة ، وإنّ العبد ليصدق فيكتب عند اللَّه صدّيقا وإيّاكم والكذب فإنّ الكذب يقرّب إلى الفجور والفجور يقرّب إلى النار . وقالوا في قباحة الكذب : إنّ إبليس إنّما ذكر هذا الاستثناء في قوله : « إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 1 » لأنّه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادّعائه فكأنّه استنكف عن الكذب واستثنى فإذا كان الكذب شيئا يستنكف إبليس منه فالمسلم أولى بالاستنكاف . واختلف الناس في أنّ المقتضي لقبحه ما هو ؟ فقال جماعة : المقتضي لقبحه هو كونه مخلَّا لمصالح العالم ومصالح النفس . وقالت المعتزلة : المقتضي لقبحه هو كونه كذبا لقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ » « 2 » أي لا تقبلوا قول الفاسق فربّما كان كذبا فيتولَّد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه ، وأيّ قبح أقبح من أن يكون الفعل مبغوضا عند اللَّه ؟ قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 120 إلى 121 ] ما كانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّه ِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه ِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِه ِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّه َ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه ُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) لمّا قصّ اللَّه أحوال الَّذين تأخّروا وتقاعدوا عن الخروج مع النبيّ في غزوة تبوك ذكر في هذه الآية على وجه التوبيخ بأنّه لا يجوز لأهل المدينة ولا يجوز لمن حول المدينة من سكّان البوادي من طوائف الأعراب . قيل : إنّهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم . وقيل : بل جميع الأعراب الَّذين كانوا أطراف المدينة فإنّ الَّلفظ عامّ والتخصيص تحكّم .
--> ( 1 ) الجحر : 40 . ( 2 ) الحجرات : 6 .